فوضى تشبهني

لم أعد أتأمل السماء كالسابق لكنني عدت إليها في هذه الليله القمراء وكأن روحي كانت بحاجة لأن تتحدث دون نهاية تحتها

أجلس وحدي وأشعر أنني فقدت شيئًا مني شيئًا لا أستطيع استعادته مهما حاولت تتراكم الأشياء في داخلي الذكريات، الكلمات المشاعر، حتى أصبح قلبي ممتلئًا بما لا أعرف كيف أخرجه

تقل أحاديثي يكثر صمتي وعندما يبدأ الليل يخيم على الأرض يعود ذلك الشعور ليسحبني إلى متاهات لا أجد فيها شيئًا من نفسي التي أعرفها

وربما لم أكن أبحث عن نفسي وحدها

ففي وسط كل هذا الضياع هناك شخص يعود إلى ذهني دون أن أستدعيه شخص موجود في حياتي ومع ذلك أشعر تجاهه بذلك النوع الغريب من الفقد كأنني أشتاق إليه رغم أنه ليس غائبًا

لا أعرف ماذا يحدث لي كلما مرّ طيفه في داخلي

أحيانًا أشتاق إليه بطريقة لا أفهمها وأحيانًا أحاول أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يعني لي شيئًا أقترب منه في شعوري ثم أبتعد فجأة وكأنني أخاف من شيء لا أعرف اسمه

وهذا أكثر ما يربكني

كيف يمكن لشخص أن يكون موجودًا معي ومع ذلك أشعر أنني أبحث عنه؟

كيف يمكن أن أشتاق إلى شخص قريب مني؟

ربما لأن الاشتياق ليس دائمًا إلى الغياب وأحيانًا نشتاق إلى شعورٍ كان وجود شخص ما يتركه فينا

كلما حاولت أن أفهم ما أشعر به ازدادت الفوضى داخلي أبحث عن معنى لكل كلمة لكل حرف لكل حديث عابر ثم أعود وألوم نفسي لأنني ربما منحت الأشياء أكثر مما تحتمل

أريد أن أقترب لكنني أخاف أن يكشف الاقتراب كل ما أحاول إخفاءه

وأريد أن أبتعد لكنني أخاف أن يأخذ البعد معه شيئًا لا أستطيع استعادته

لهذا بقيت في المنتصف

لا أنا اقتربت بما يكفي لأعرف الحقيقة ولا ابتعدت بما يكفي لأنسى الشعور

وربما لهذا أصبح الليل أثقل

حين يهدأ كل شيء من حولي تبدأ الأشياء التي أخفيها طوال النهار بالظهور يعود الحنين وتعود الأسئلة ويعود هو بين أفكاري فأشعر بذلك الفراغ الغريب الذي لا أعرف كيف أملؤه

أشعر بالامتلاء والفراغ في الوقت نفسه امتلاءً بكل ما لم أقله وفراغًا بسبب كل ما لا أعرف إن كان يمكن أن يكون

تتراكم مشاعري في نقطة ما من روحي تنمو وتتوسع ثم تختبئ في مكان لا أستطيع الوصول إليه

وأحيانًا أتمنى لو أستطيع أن أبكي كل هذا دفعة واحدة الفقد والاشتياق والارتباك والخوف وكل الكلمات التي بقيت عالقة في داخلي

لكن أحرفي لم تعد تسع شعوري

كلما حاولت أن أصوغ ما بداخلي شعرت أن الكلمات تبتعد عني وكأنها تعرف أن ما أشعر به أكبر من أن يحمل اسمًا

ليس حبًا أستطيع الاعتراف به ولا غيابًا أستطيع البكاء عليه ولا قربًا يطمئنني

إنه شيء بين كل ذلك

شيء يجعلني أشتاق وأتراجع أقترب وأخاف أطمئن وأضيع

وربما أكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف إن كنت أشتاق إليه أم أشتاق إلى نفسي حين يكون قريبًا

أحيانًا أشعر أنني فقدت جزءًا مني في هذا الشعور وكلما حاولت أن أستعيده وجدته متعلقًا بشيء لا أعرف كيف أتركه

تخليت عن فكرة إنقاذ الآخرين والآن أنا في محاولة لإنقاذ نفسي

لكن كيف أنقذ نفسي من شعور لا أعرف إن كان يؤذيني أم يملأ شيئًا ناقصًا في داخلي؟

كيف أترك شيئًا ما زال موجودًا؟

وكيف أنسى شخصًا لم يكن غائبًا أصلًا؟

لهذا بقيت حائرة بين الرغبة في القرب والخوف منه بين الاشتياق ومحاولة النسيان بين أن أتمسك بما أشعر به وأن أتركه يمر

وفي نهاية كل ليلة أعود إلى النقطة ذاتها

هو موجود في حياتي...

لكنني لا أعرف أين أنا من حياته

وربما لهذا أشعر بهذا الضياع كله

وربما كنت طوال هذا الوقت لا أبحث عنه وحده بل أبحث عن نفسي التي ضاعت بين حضوره وغيابه بين ما أشعر به وما أخشى أن يكون حقيقيًا

ثم أعود إلى السماء..

أحدق طويلًا في النجوم وأحاول أن أترك للريح كل ما عجزت عن حمله

لعلها تأخذ معها هذا الاشتياق

لعلها تحمل هذا الفقد

ولعلها في طريقها تعيد إلي شيئًا مني

شيئًا فقدته دون أن أعرف متى

فربما أكثر ما أحتاجه الآن ليس أن أعرف ما أشعر به تجاهه...

بل أن أعرف كيف أعود إلى نفسي.

readers loved this
En vacances. Les blogs existants reviennent à la mi-septembre — vous pouvez écrire ici en attendant.